أحمد إفزارن: التصحّرُ يُهدّدُ وُجودَنا.. الـمَغاربيّ!

UMP6

 

UMP6

الداخلة بريس :

التّصحُّر ليس كلامًا..

التّصحُّرُ واقعٌ فينا وحولَنا..

يُحاصرُ أرضَنا الزراعية..

يرتبطُ بمشكلِ الهجرة، والبطالة، ومشاكلَ أخرى..

هذا الموضوعُ كان من مَحاورِ مُحاضرةٍ هامّةٍ بطنجة، تدورُ حولَ حالِنا وحالِ إخوانِنا في كلّ المنطقةِ المغاربيّة..

حالُنا واحد.. هو أن التصحُّر يُهدّدُ حياتَنا.. جميعًا..

كلُّنا نُواجِهَ خطرَ التّصحُّر.. ومن خلالِه خطرَ الحياة..

الأمينُ العام للاتّحادِ المغاربي، ذ. الحبيب بنيحيى، تحدّثَ عن الموضوع في مُحاضرةٍ ألقاها يوم الجمعة 17 يونيه 2016 ببَيْتِ الصحافة في طنجة، بدعوةٍ من «نادي الفكر»، تحت عنوان «الشبابُ المغاربي: أيّةُ استراتيجيةٍ للتّشغيل؟».

وقال الأمينُ العامُّ المغاربي: «التصحُّر أوّلُ مُصيبة، فقد أثبتَتْ دراسةٌ جديدةٌ أنّ 90 من أراضي دُولِ «اتحاد المغرب العربي» وصَلَها التصحُّر. والتصحُّر يرتبطُ بمُشكلِ الهجرة…»..

وأضاف: هذه مُشكلتُنا جميعا. ومسؤوليتُنا جميعًا. والمجتمعُ المدني مُطالَبٌ بإنتاجِ أفكار، للمُساهمةِ في البحثِ عن حُلول.

وهذا التّصحُّرُ الدّاهِمُ ليس فقط زَحْفَ الرّمالِ على الأراضي الصّالحةِ للزّراعة، هو أيضا نتيجة لسُوءِ التدبيرِ البشري لهذه الأراضي، ولسُوءِ مُواجهةِ التّغيُّراتِ المناخية..

وبتعبير آخر، ليس سُلوكًا طبيعيًّا بل إفرازٌ لفعلٍ بشري تسبّبَ حتى الآن، على الصعيد العالمي، في تهديد ثُلُثِ أراضي كوكبِ الأرض..

كلُّ العالم مُهدّدٌ بزحفِ التّصحُّر على الأراضي الفلاحية، وبتحويلِ أراضي الزّراعة إلى مساحاتٍ شاسعةٍ قاحِلة، لا تُنتِج..

أكثرُ من 100 دولة مُهدّدةٌ بالتّصحُّر خلالَ السّنواتِ القليلةِ القادمة..

وهذا الوضعُ يتسبّبُ في هجرةٍ جماعيةٍ من مناطقِ الجفافِ والتّصحُّرِ إلى أماكنَ أخرى، بحثًا عن الحياة..

ونحنُ أيضًا موجُودُون في هذه القائمة..

التصحُّرُ عندنا يُنتِجُ مزيدًا من هجرةِ الباديةِ إلى المدينة، ومن هذه إلى أيّ مكانٍ آخر..

وإذا لم يُحَلَّ مُشكلُ التّصحُّر، فإنّ مناطقَ شاسعةً أخرى، من الخارطة الوطنية، سوفَ تخلُو تمامًا من سُكّانِها..

ولنا نماذِجُ صارخة:

ـ معمُورة، وهي أكبرُ غابةٍ لأشجارِ الفلّين في العالم، فَقدَتْ نصفَ مساحتِها منذ 1920..

والغاباتُ المنتشرةُ بشمال المغرب، فقدَت أيضا نصفَها، بسببِ زراعةِ القنّب الهندي، على أنقاضِ الشجر..

إنّ المغربَ يفقدُ كل عام أكثر من 30 ألف هكتار من الغابات..

وهذا يعني تضاؤُلَ ما نتوفّرُ عليه من نباتاتٍ وكائنات، ويعني تقلُّصَ الأراضي الزّراعية وما فيها من مَراعٍ وأحراش..

ويُتَرْجَمُ هذا إلى هجْرةٍ بشريةٍ جماعية..

والسياساتُ الحكوميةُ عندنا تغُضُّ الطرفَ عن خُطورة الهجرةِ من مكان إلى آخر داخل البلد، ومن داخلِ البلدِ إلى الخارج..

وهذا تُواكبُه هجرةٌ لا تنتهي من الخارج إلى الداخل..

وأصبحنا اليوم ممَرّا للهجرة الإفريقيةِ إلى أوربا، ومن دولٍ عربيةٍ إلى داخلِ البلد..

أصبحنا هدفًا لهجرةٍ بشرية من مختلفِ الدول..

وهذا ينعكسُ سلبًا على سُوق الشغل.. وعلى وضعِنا الاجتماعي..

وأكبرُ مُتضرّرٍ من هذا التّصحُّر السياسي والتصحُّرِ التُّرْبَوِي يقَعُ في المناطقِ الهَشّة، جبَليّةً وأراضٍ للرّعي، وما فيها من تدهوُرٍ للغطاءِ النّباتي، وانجرافٍ للتّربة..

وينعكسُ هذا الحالُ أيضًا بسلبيّةٍ كبيرةٍ على حياةِ السّكان، الأمرُ الذي يُعرّضُنا نحنُ الدولُ المغاربية (المغرب، الجزائر، تونس، ليبيا، موريطانيا) لتَبِعاتِ الرقمِ الجديد الذي تحدّثَ عنه الأمينُ العام المغاربي الأستاذ بنيحيى، وهو أنّ 90 في المائة من الأراضي المغاربية، الصّالحة للزّراعة، قد وَصلَها التّصحُّر!

ولم تبْقَ لنا في البُلدان المغاربية إلا 10 بالمائة من أراضي الفلاحة..

الحكوماتُ المغاربية عقدَت سلسلةَ اجتماعاتٍ للِجانٍ مُختصّة..

وشكّلت «الميثاقَ المغاربي»، لحماية البيئةِ والتّنميةِ المستدامَة..

وكشفت اللجانُ المختصّةُ عن أن مَشاكِلَ التصحُّر واضحة..

ـ المشاكلُ البيئيةُ معروفة، والحلُولُ مُمكِنة، واستراتيجيةُ الحُلول واضحة، وأين هو التّنفيذ؟

التنفيذُ أين هو؟

والمتابعَةُ أين هي؟

والتّنسيقُ المغاربي أين هو؟

كلُّ دولةٍ تسبحُ في واد..

وكلُّ دولةٍ لها أولويّاتُها..

وفي خضمّ الأولويّات، تضيعُ الحُلول، ويزدادُ التّصحُّرُ اكتساحًا للأراضي الزّراعية، ومعهُ يتضخّمُ مُشكلُ الهجرة..

وعندنا وعبرَ عقُود، ارتبطَتْ إشكاليةُ البيئة بعدّةِ وزارات في وقتٍ واحد..

وزاراتٌ، بصيغةِ الجمع، تُعالجُ نفسَ الموضوع البيئي، كلُّ واحدة بطريقتِها الخاصة، ومن زاويةٍ خاصة، وبتصوُّرات خاصة..

حكومةٌ واحدة لها تصوّراتٌ كثيرا ما تكونُ غيرَ مُنسجِمَة..

ويختلطُ فيها السياسي بالعلْمي، فتتوقّفُ الحلول، وتكبُرُ مشاكلُ التصحُّر، بدءًا من التّصحُّر السياسي، والتصحُّرِ الفكري، وصُولا إلى تصحُّرِ الأرض..

وتتداخلُ السُّلطات، ويَبرُزُ العجزُ الوطني عن مُعالجةِ قضايَا الغابات، والمناطقِ الخضراء، والجفاف، وغيرِ هذه من مُسبّباتِ أمراضِ الأرض..

ـ أرضُنا مِعطاء، ولكن حُكوماتِنا في سياساتِها تصحُّر..

«مسمارُ جُحا» يَتدخّلُ في كل دولةٍ مغاربية لمنع تسويّةِ مَشاكل البيئة، ويتدخّلُ أيضا لحلّ نفسِ المشكلِ على الصعيد المغاربي، أي تسوية إشكاليةِ بيئتِنا الطبيعية المشترَكة..

وتبقَى الخلافاتُ مانعةً من التّنفيذ..

ولكلّ دولة مُبرّراتُها ومَصالحُها..

وعندَها تتدخّلُ لُوبيّاتُ العقار، ومَراكزُ الضغطِ الأخرى، وهي كثيرة، وعلى رأسِها أباطرةُ المال..

ويَنتُجُ عن هذا الوضع كونُنا نستعيرُ عقليةً مُنتشِرةً في دُولٍ أخرى، فنقولُ ما لا نفعل.. ونفعلُ ما لا نقُول!

نحنُ أيضا لا نُطبّقُ الاتفاقياتِ البيئية، ونسمحُ لأنفُسِنا بأن يُحدّدَ كلٌّ منّا لنفسِه تعريفًا خاصّا بالبيئة الطبيعية..

ـ ها نحنُ مُجرّدُ قوّالين!

والبيئةُ عندنا تبقَى مُجرّدَ شعارات..

ومُجرّدَ عناوين لمؤتمراتٍ هُنا وهناك..

وتبقَى موضُوعًا نُخبويًّا..

موضوعًا تجْتره النُخبة!

في حين أن البيئةَ الطبيعيةَ قضيّةُ حياةٍ أو موت..

ونتناسَى أنّنا جميعًا مُعرَّضُون لخطرٍ حقيقي.. لن يفلتَ منه لا فقيرٌ ولا غنيّ، بسببِ عدَمِ أخْذِ المسألةِ البيئية مأخذَ الجدّ..

وعندنا، مثل ما هو عندَ غيرِنا، وزارةٌ تحملُ اسمَ «البيئة»، كأنّ البيئةَ مَيدانيًّا من اختصاصِ طرَفٍ واحد..

وفي نفس الوقت، تبقى الصحةُ هي البيئة.. والماء الشروبُ بيئة.. والنظافةُ بيئة، وإدارةُ الغابات بيئة..

البيئةُ حاضرةٌ في عدة إداراة..

وحاضرةٌ في كلّ مدشر.. وكل مدينة.. وكلّ حيّ..

وحكومتُنا تُوجّهُ المسؤوليةَ إلى وزارةٍ واحدة..

وبهذا تتملّصُ جُملةً وتفصيلاً من الإشكاليةِ البيئية، وتضعُها على عاتقِ وزارة اسمُها «وزارةُ البيئة»..

والبيئةُ مُشكلةُ الجميع، من الصغيرِ فينا إلي الكبير..

وحتى الفلاحُ البسيط تقَعُ عليه مسؤوليةُ المحافظةِ على الأرض، والتّشبُّثِ بالأرض، وحرْثِها وزرعِها وحصدِها، وبيعِ ثمارِها…

بيدَ أنّ الحكومةَ تُفضلُ الملفَّ البيئي بشكلٍ آخر..

هي تُفضّلُ أن تكونَ البيئةُ شعارا من الشعارات، فقط..

ومن واجبِ الدولة، بكُلِّ مُكوّناتِها، تبنّي سياسةٍ وطنيةٍ بيئيةٍ واضحةِ المعالم، ذاتِ ميزانيةٍ كافية، وأُطُرٍ مؤهّلين، ومُراقَبَةٍ دقيقة، للحفاظِ على البيئة الطبيعية الوطنية..

وبدون هذه المسؤوليةِ الشاملةِ المشترَكة بين الدّولةِ والمواطن، نحنُ جميعًا، بدون استثناء، مُعرّضُون لخطرٍ كبير، لأنّ البيئة هي الأوكسيجين، هي التشجير، هي المحافظة على النباتاتِ والأشجار..

الأشجارُ تَجُلُبُ الأمطار..

وتنشُرُ الخير..

وتمنعُ التقلُّباتِ المناخيةِ الـمُضِرّة..

الأشجارُ تُحاربُ التصحُّر.. وتُحاربُ الجفاف.. وتُحاربُ الفقر..

وتُنعِشُ التّشغيل..

الأشجارُ تُحافظُ على الاستقرارِ الإيجابي للبلد..

وعلى التّنمية.. تنميةِ التّواصُلِ الاجتماعي.. والإنساني..

وهذه من الصفات التي صرْنا نَفْقِدُها بسببِ سوءِ تدبيرِ ملفِّ «البيئة الطبيعية»..

ولا حياةَ لنا بدُون تَناغُمٍ معَ الطبيعة..

بدُون حياةٍ هي من صُلبِ حياةِ الطبيعة..

UMP6
تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد